أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 16 سبتمبر، 2017

حجاب لمعتقل سياسي..!





صفيّة، هي شقيقة جدي الشيخ مصطفى، وهي جدة شوقي، ووجيه، وآخرين. أذكر ملامح قليلة منها حيث حطت بها عصا الترحال الصعب والطويل في مخيم الدهيشة من قرية زكريا المزبورة، التي هُجِّرت متأخرة عن غيرها في خريف 1948م. قبل التهجير استقبلت مهجرين ومهجرات من قرى عديدة مثل خُلدة، وبيت محسير، تقاسم الجميع الماء والكلأ، قبل أن يبدأوا رحلة التَّرْحَال التي لم تنته حتى الآن.
صفيّة واحدة من خالات وجدات عديدات، نموّت في ازقة المخيم وأنا أراهن متشحات بالسواد، لا يخلعهن أبدا في حدادٍ لا ينتهي.
لجأ بعض أهالي زكريا إلى قرية سعير في جبل الخليل، ومن بينهم عائلة صفيّة وأقربائها، وهناك توفي زوجها أحمد يونس في المستشفى الفرنسي في بيت لحم، ودفن بجوار مقام النبي العيص، وهو الاسم الإسلامي لعيسو التوراتي، رمز الذكورة الطاغية، الذي سرقت منه باكورته، بحيلة دبرها شقيقه يعقوب الذي أصبح اسمه إسرائيل بعد صراع ليلي مع اله التوراة.
خط محمد الحاج عبد الفتاح علي خالد حسن أحمد عدوي، في مذكراته بقلم رصاص: "في يوم الاثنين الواقع 13 صفر سنة (...) انتقل إلى رحمة الله تعالى أحمد يونس من زكريا في مستشفى بيت لحم في باب الزقاق ثم أتوا به وشيع جثمانه في قرية سعير في جانب نبي الله العيص وقد حضره فوج من الأهالي ما ينوف على خمسمئة رجل وكان دفنه بعد غياب الشمس"
المنكوبون الأُول مثل صفيّة، عاشوا صدمة الرعب، دون أن يستوعبوا ما حدث لهم، طرد وقتل وقيام دولة اسمها إسرائيل، فلاذوا بالصمت، أمَّا الأبناء فحاولوا أن يفعلوا ما لم يفعله الكبار مثل محمد يونس (جودت) ابن صفيّة، الذي وجد نفسه، بسبب نشاطه الثوري، ولم يبلغ العشرين معتقلا في سجن الجفر الصحراوي، ولكن على الأغلب أن صفيّة، سليلة الفلاحين الذين اعتقدوا ان الحكومات الظالمة التي حكمتهم طوال قرون، ما هي إلا اختبار إلهي لصبرهم، كان لها راي آخر واعتقدت أن لديها الحل للإفراج عن ابنها أو التخفيف عنه. ويروي حفيدها رامي، انها عندما كانت تزور ابنها المعتقل السياسي كانت تضع رأسه على صدره وتحاول أن تقربه أكثر وأكثر دون أن يعلم لماذا، حيث تخبيء حجابا لعله يحميه ويخرجه مبكرًا من السجن، ولكن حيلتها لم تنفع، ولم يستجب مَن وجهت له الحجاب، فأمضى ابنها سبع سنوات عجاف في صحراء الجفر، ليعيش تشرده وشتاته الخاص وتناقضه مع وعي مجتمعه.
ورحلت صفيّة دون أن تُكحِّل عينيها برؤية زكريا مرة أخرى..!

اعتذار إلى مخيم البقعة..!




زرت مخيم البقعة، مرة، أو ربما مرتين، أو ثلاث. في الأولى اصطحبت أُمي لتلتقي صديقاتها الشعفوطيات (من عائلة شعفوط/من الفالوجة). عائلة شعفوط جيراننا في مخيم الدهيشة، وفي زمن ما، الجيران كانوا بمثابة أهل، المنازل مستباحة، والخبز والملح والسكر مشاع، والأخبار والأسرار تسلية النَّاس المباحة.
الشعفوطيات كن لاجئات منكوبات في مخيمنا، ثم أصبحن منكوسات بعد حزيران 1967م شُرِّدن من مخيم الدهيشة في الضفة الغربية التي سقطت في ست ساعات إلى الضفة الشرقية التي وجدت لتستقبل المنكوبين والمنكوسين، وأنا لا أذكرهن أبدا وإنما أذكر أقربائهن جيراننا، حتى أصبحت في منزل في مخيم البقعة شاهدًا على مجموعة عجائز بثيابهن الفلسطينية المطرزة، يستدعن الذكريات بين الدموع والشهقات والأمنيات ولعن الزمان، وعرب الخيانة، وعجم المؤامرة-وهذا ما سيتحول إلى فلكلور فلسطيني أصيل، حيث تبريء الضحية نفسها وهي تلقي حجارتها في حجر الآخرين.
الزيارة الثانية، كانت ليلا ًعلى الأغلب، والسبب التعرف على أقرباء بعيدين، أذكر أحدهم صاحب دكان، لا يحتاج المرء إلا لدقائق معدودة ليعرف انه أمام شخصية روائية، فهو مزيج من نجيب الريحاني، وأبو لمعة، ويوسف وهبي، بعد أن سلمت عليه، أشار إلى شاب اشترى شيئا وخرج، قائلاً بلهجة موحية وبصوت خفيض:
-أتعرف من هذا؟
*.......
-مخابرات، إنهم يرصدون حركاتي ..!!
وكان ذلك مقدمة ليروي حكاياته الخيالية مع الفدائيين المحظور الكلام معهم، وكأنه يمارس عملاً سريا، مع دخول وخروج المشترين.
المرة الثالثة، دخلت البقعة في النهار، ونسيت المناسبة، وهالني ما شعرت به للوهلة الأولى بالاستلاب، من صور وشعارات معلقة على الجدران تمجد عبادة الملوك، وصدمت عندما سألت عددًا من الفتية عن قراهم الأصلية وكانت الإجابات غير مريحة لمتحمس مثلي في ذلك الوقت.
في تموز الماضي، عندما أطللت ليلاً على ما عرفت انه المخيم المضيء سألت:
*أهذا هو البقعة حقا..؟!!
كنت في جولة على عمّان الليلية رفقة ابنتي أخي ميسون، وحنين، عندما أشارتا إلى المخيم من علٍ، فتذكرت أحد مشاهير مخيمنا الظرفاء، الذي عندما سافر من الدهيشة إلى الأردن، يعد النكبة ومر على مخيم شلنر، أو البقعة سأل بأنفة رجل لم يجرب عار الهزيمة:
-من هؤلاء الناس؟
فقيل له هؤلاء هم اللاجئون، فرد متحسرًا:
-هؤلاء هم اللاجئون؟؟ مساكين..مساكين..!
وذهبت جملته تندرًا، على اللاجئ المسكين، الذي نسي نكبته ونكسته وتحسر على أوضاع اللاجئين وكأنه ليس منهم.
أهذا هو البقعة؟؟ حقا.. وكأنها دهشة مستشرق..!
عذرا أيها المخيم..!

الثلاثاء، 12 سبتمبر، 2017

المسيحي الدُهيشي..!






بعد ان أطلقوا عليه النار، مُدد رائد الصالحي على الأرض كأنه مسيح آخر يعدم؛ درب آلامه استمرت 100 دقيقة، حتى قرروا أخذه، فانتزعه جندي عن الأرض ورماه على كتفه، فشهق المسيح الدُهيشي، شهقته الأخيرة، تاركا مكانه بقعة دم حمراء كبيرة.
خلال تمدده على الأرض سمع رائد صراخ أحد مجايليه من الطابق الأعلى، وكفره بالاحتلال وموت العدالة، وهو يشهد احتضار صديقه دون ان يستطيع ان يفعل شيئا، فنطق رائد، كما يليق بأي مسيح: لا تكفر..!
وكانت كلمته الأخيرة..!
من الزقاق وإلى الزقاق يعود..!
**
الصورة: الشهيد رائد الصالحي بعد إصابته ملقى في زقاق في مخيم الدهيشة‏، وبقعة الدم التي بقيت على الارض بعد نقله.

انتقام البطاركة…!






اسحق الشاميّ (١٨٨٩-١٩٤٩م) الكاتب الخليلي، الفلسطيني، العربي اليهودي، الصهيوني الإسرائيلي أو شبه الصهيوني وشبه الإسرائيلي، الكاتب بالعبرية عن مواضيع عربية؛ يصلح نموذجًا دراسيا وهو ما يحدث في الواقع، وين فترة وأخرى نجد اهتماما بأدبه.
رواية الشاميّ، الذي ولد ونشأ في الخليل، الوحيدة (انتقام الآباء) كتبها عام ١٩٢٨م، عن الصراع النابلسي-الخليلي. يتنافس أهالي أكبر مدينتين في الهضبة الفلسطينية الوسطى على إظهار القوة في موسم النبي موسي، نمر ممثل وفد نابلس يسابق أبو فراس ممثل وفد الخليل، الذي يسبقه إلى المقام ويثبت راية بيرق الخليل، ولكن نمر يسرع فيمزق البيرق ويقتل أبو فراس، ويفر إلي مصر، ليعيش مطاردا حياة بوهيمية رغم استقباله بفخرٍ من الجالية النابلسية في أرض النيل.
ولكن هذا لا يحول بعد فترة من أن يطارده شبح القتيل الخليلي، وتنهك مطالبه المالية عائلته، ومحاولاتها عقد بيرق الصلح مع الخلايلة. تنتهي الرواية بعودة نمر المريض المسن الكسير إلى مقام الآباء (البطاركة) إبراهيم ويعقوب واسحق (الحرم الإبراهيمي)، وهناك يلفظ أنفاسه بينما يرقبه الخلايلة وأقرباء القتيل، الذين يقنعون أخيرا بانتقام البطاركة، آباء العرب واليهود، وليس أفضل من هذا انتقام يليق بابنهم القتيل.
احتفى العرب دائما بأسطورة اليهود حول مقامات الآباء في الخليل، ويذكر الهروي، كيف اكتشف الصليبيون في عهد الملك بلدوين جثامين الآباء الأنبياء، وتتضمن الرواية كل العناصر الأسطورية اللازمة. نقل الهروي (في الإشارات لمعرفة الزيارات) عن غيره، ونقل عنه آخرون.
فُسرت رواية الشاميّ، التي يخل تلخيصها بقيمتها بتأويلات كثيرة، وهناك من رأى انها تمثل في الواقع الصراع العربي-الصهيوني، وهو ما تنبأ به الشاميّ الذي عاش في الخليل يرتدي الملابس العربية، حتى مغادرته إلى القدس مفارقا المجتمع اليهودي المثقل بالتدين والتقاليد، ولكن الجوهري إن عطش البطاركة للدم لا يروى، فحتى الآن يقضي فتية وفتيات برصاص جنود الاحتلال، على مقام البطاركة المقسم، في صراع لا ينتهي.
ولا شك ان هناك من يصل إلى المكان، خصوصًا من الفتيات، تشهر الواحدة منهن سكينا قصيرة، ليس بالضرورة فقط ضد الجنود، وإنما أيضا ضد التقاليد الاجتماعية، وهو أمر محظور الحديث عنه فلسطينيا، ولا يريد أحد أن يسمع صرخاتهن التي تغيب في الخطاب الثوري ضد الاحتلال.
البطاركة في الأرض المقدسة، لن يتخلوا أبدا عن عروشهم، وحتى الموت الاحتجاجي ضدهم، يصبح تقدمات قربانية لاستمرار البطاركة..!

الخميس، 7 سبتمبر، 2017

قمر على برية القدس







كان منظر المياه مدهشا، وهي تتدفق إلى الأعلى في برية القدس، ولكنها تبعث أيضا على الألم والشعور بقلة الحيلة.
المياه تدفقت يوم الاثنين 4-9-2017م، من بئر ارتوازية حفرها المحتلون على أرض فلسطينية محتلة،
في منطقة سطح البحر، بجوار شارع القدس-أريحا الانتدابي، وفي أرض تابعة لأوقاف مقام النبي موسى.
يمكن اعتبار البئر الجديدة (التي يكشف عنها هنا لاول مرة)، أخر حلقات مسلسل نهب المياه الفلسطينية من قبل سلطات الاحتلال، وبأقل التكاليف الممكنة، فعدا عن أن الحديث يدور عن أرض محتلة، فانه يتم الاستيلاء على أرض بدون أن يتكلف الاحتلال أي ثمن مادي.
ويعتقد أن مياه البئر التي تم إجراء التجارب التحليلية عليها، ستتدفق لتخدم المستوطنات الاحتلالية في برية القدس.
وليس بعيدا عن البئر الجديدة، يعيش التجمع البدوي الفلسطيني (سطح البحر) حالة عطش دائمة، بالإضافة إلى الإجراءات الاحتلالية كهدم منازل الصفيح التي يعيش فيها نحو 80 نسمة بدون خدمات.
ينظر البدو في التجمع الذي أنهوا أخر أيام عيد الأضحى المبارك بدون احتفالات، إلى المياه التي تتدفق إلى الأعلى في محيط البئر التي تم تسييجها، بحسرة كبيرة، وهم يرون مياههم تسرق أمام أعينهم.
في برية القدس الممتدة نحو البحر الميت، أقامت سلطات الاحتلال منتجعات سياحية وأخرى طبية تتضمن برك سباحة ومنشآت أخرى، تحتاج بشكل دائم إلى المياه، وهو ما يتم توفيره من نهب مياهنا.
لاحظت ونحن نجلس في مضافة التجمع البدوي في سطح البحر أن القمر الذي ظهر في السماء مبكرا، بدرا، ولكن جميل الحمادين، الأكثر خبرة في أحوال الطبيعة في المنطقة، قال بان القمر يحتاج إلى يومين ليصبح بدرا، وما أن حل الظلام تدريجيا حتى انعكست أنوار الإضاءة المبهرة في محيط البئر الجديدة على المياه التي تتدفق إلى الأعلى، وهو أمر بقدر ما يثير فرح المحتلين بغنيمتهم، يثير مشاعر الحزن لدى البدو الفلسطينيين الذين تهجروا من أراضيهم في النقب عام 1948م، ويواجهون نكبة جديدة بالتهديد الدائم بالترحيل من برية القدس.

الدهيشة الثقافية..!




(مساهمتي في الملف الذي أعده الكاتب يامن نوباني عن مخيم الدهيشة ثقافيا لصالح وكالة وفا، انشرها لاطلاع من استفسر، ولاستدراج إضافات أو تصويبات، واستدراكات خصوصا من الكتاب/الكاتبات الذين واللواتي يصنفون أنفسهم وأنفسهن كدهيشين ودهيشيات-هذه المساهمة اهداء الى الشهيد رائد الصالحي)
عندما استقر الحال نسبيًا، بمجموعة من اللاجئين من جبلي القدس والخليل، بعد محطات لجوء عديدة، في مخيم الدهيشة عامي 1949-1950م، أوَّل ما فكروا فيه، وهم في الخيام، تشييد مدرسة، في مبادرة جماعية أهلية رائدة وشجاعة، لم يتوقف عندها الباحثون، حيث تم تجميع الأطفال في العراء ولاحقًا في غرفٍ صفية من الخيام، وأصبح مديرًا للمدرسة الشاعر خليل زقطان ابن قرية زكريا المهجرة التي شكل أبناؤها المهجرين أكبر كتلة سكانية في المخيم.
وانضم لهيئة التدريس تطوعًا العديد من المدرسين، الذين انهوا الصفوف الابتدائية في قراهم قبل النكبة، وعملوا تحت قيادة زقطان المحبوب، والذي سيصبح بعد حين شاعرًا معروفا عندما أصدر ديوانه الأول (صوت الجياع) عام 1953 عن مطبعة دار الأيتام الإسلامية في القدس، وأثّر في كثير من الذين سيصبحون شعراءًا معروفين في المستقبل مثل الشاعر عز الدين المناصرة، الذي أشار في مقابلة معه في ثمانينات القرن العشرين بتأثير زقطان الشعري على جيله.
ينتمي زقطان لجيل من الشعراء ربطوا القول الشعري بالفعل الوطني، مما عرضه للاعتقال عدة مرات، مثلما حال شعراء آخرين من قريته زكريا، تشردوا في مخيم الدهيشة والمخيمات المجاورة كمخيم العروب، مثل الشاعر فتحي الكواملة الذي اصدر ديوانين من الشعر، الأول (يا رسول السلام)، وهو مدح للرسول العربي، والثاني بعنوان (البركان)، الذي صادرته السلطات الأردنية فور صدوره لدعوته للتمرد والثورة على الأنظمة العربية، وكذلك الشاعر عبد الفتاح الكواملة، الذي اتهم الأنظمة العربية بالتآمر على القضية الفلسطينية، وانتهى منتحرًا، عندما أطلق الرصاص على نفسه عام 1987 في مدينة إربد الأردنية.
ما ورد في الأسطر السابقة، يشير إلى مناخات الثقافة في مخيم الدهيشة منذ تأسيسه، حيث أصبح "عشا" لتفريخ نشطاء الأحزاب القومية واليسارية، وأبرزها الحزب الشيوعي، وحزب البعث.
ومن بين نشطاء الحزب الشيوعي في المخيم مختار قرية ذِكرين، الذي سيصبح ابنه رشاد أبو شاور كاتبًا معروفًا، وسيتذكر لاحقًا طفولته في المخيم، وتأثير معلمي المدرسة عليه: "كرجت قدماي علي الصخور المستلقية البيضاء التي تبدو كفقمات مبحرة لفرط حياتها، حاملةً على متونها الحراذين، والجنادب، والفراش، وطيور الحجل، والحباحب، مكحلّة الأطراف بعشب زغبي.
في الدهيشة تعلّمت أول الكلام، ونشيد (موطني)، وكتبت أوّل الحروف، وبللت بفمي سنّ قلم الكوبياء ليكون خطّي أعرض وأوضح، فمن هناك بدأت رحلتي مع الوضوح.
الأساتذة: نمر (العطابي)، محمود الخطيب، أحمد العجّوري، سليمان مزهر وابن عمّه أحمد مزهر، والأستاذ الياس الذي كان في الشتاء والصيف يركض من بيت لحم إلى الدهيشة، ومنه تعلّمنا أن نركض بلا توقّف في هذه الحياة".
ومن مجايلي أبو شاور، الذي انتقل لاحقًا مع عائلته إلى مخيم النويعمة في أريحا، عبد الرحمن عبّاد، الذي أصدر في سبعينات القرن الماضي مجموعته القصصية الأولى: "جمع الشمل"، وتوالت دراساته الأكاديمية، وإصداراته الأدبية وحصل على شهادة الدكتوراه، وكان نشيطا في الحركة الثقافية الفلسطينية حتى رحيله عام 2015م.
وإذا كان الغليان الثوري إن جاز التعبير الذي صبغ حقبتي الخمسينات والستينات في المخيم، كان المولد الثقافي-السياسي في المخيم، فان الأمر اختلف مع الاحتلال عام 1967م، حيث كان على أبناء المخيم أن يبدأوا مبكرًا انتفاضتهم، في ظل غياب العديد من الرموز الوطنية والحزبية التي شتتها حرب حزيران، وينشأ جيل حمل الحجارة بيد والكتاب باليد الأخرى، وليلعب مركز شباب الدهيشة الاجتماعي دورًا ثقافيًا بارزًا، بقيادة العديد من النشطاء، وشملت نشاطات المركز إقامة الندوات الثقافية التي حاضر فيها ضيوف من خارج المخيم، كالشاعر الراحل عبد اللطيف عقل، ومناقشة الكتب، والندوات الثقافية، والمهرجانات الفنية-الثقافية، وإصدار مجلات الحائط التي وفرت الفرصة لنشر نتاج فتية وشباب المخيم، وكاتب السطور واحدًا منهم، ولكن تجربة المركز الفريدة لم تستمر طويلاً، حيث تعرض للإغلاق المتكرر من قبل سلطات الاحتلال، ولم تنجح المحاولات اللاحقة في ظل السلطة الفلسطينية لافتتاحه، رغم الحشود الحزبية في الانتخابات والتي تتحول إلى معارك كسر عظم، لا يتولد عنها إلا الهباء.
برز في حقبة الثمانينات من الشعراء، الشاعر سميح فرج، الذي أصدر عدة دواوين شعرية، وما زال يواصل مسيرته الشعرية، وفي الحقب اللاحقة ظهرت أصوات شعرية وأدبية مثل الشاعر وليد الشيخ، والكاتب صالح أبو لبن الذي أصدر رواية-سيرة بعنوان (البيت الثالث) ومؤخرا أصدر كتابًا بعنوان (أربعون يوما على الرصيف) رصد فيها تجربة اعتصام أهالي المخيم لمدة أربعين يومًا تزامنًا مع إضراب عدد من شباب المخيم الأسرى عن الطعام.
أبو لبن واحد من الأسرى الذين تحرروا في صفقة تبادل الأسرى الشهيرة في أواسط الثمانينات، وتجاربه الأولى في الكتابة ظهرت وهو داخل السجن، وهو أيضًا ما حدث مع زميله الراحل الشاعر محمد أبو لبن، مؤلف نشيد (عسقلان) الذي نظمه في سجن عسقلان عام 1976، ولحنه الأسير محمد أبو الزنابيط من سكان قرية دير الغصون، وسرعان ما انتشرت القصيدة في كل السجون والمعسكرات الاحتلالية، لتصبح أغنية المعذبين في مواجهة الجلادين، وصوت المتمردين على العبودية وسياسة الإذلال المتعمد، وسؤال الحرية الدائم في معارك صامتة تجري خلف قضبان السجون.
واعتمدت وزارة شؤون الأسرى والمحررين، التي أصبحت هيئة شؤون الأسرى، النشيد، نشيدًا للحرية في كافة المناسبات والنشاطات التضامنية مع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأصدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر أبو لبن، وكذلك فعلت بإصدار أشعار المربي عيسى العزة، وهو من مخيم العزة، درس في مدرسة الدهيشة وأصبح مدرسًا فيها، وتأثيره الأدبي على طلبة المخيم يذكر دائمًا.
ومن كُتّاب المخيم المعروفين صلاح عبد ربه، الناشط الاجتماعي والوطني، والذي يعد واحدًا من مؤسسي العمل الاجتماعي-الثقافي-السياسي في المخيم، والذي ترأس الهيئة الإدارية لمركز شباب الدهيشة أكثر من مرة، وله عدة إصدارات في شؤون اللاجئين، ودراسة مخطوطة عن قرية زكريا المهجرة.
وبرز الدكتور خضر سلامة، كباحث في شؤون القدس، والذي عمل مديرًا لمكتبة الأقصى وللمتحف الإسلامي في القدس، وصدرت له عدة كتب حول مكتبات القدس، والآثار المقدسية، إضافة إلى كتاب عن قرية زكريا.
ووضع الصحافي محمد مناصرة عدة كتب، من بينها كتابه عن حصار كنيسة المهد، موثقا ليوميات الحصار الذي حديث في شهر نيسان 2002م.
ونشر المربي يوسف عدوي، عدة كتب معرفية في المعلومات العامة، وخاصة عن فلسطين وقضيتها، وانضم المربي أحمد علي الصيفي إلى قائمة كُتّاب المخيم بإصداره كتابًا نثريًا عام 2016م، بعنوان: "هل أصبح الوطن قصيدة؟"، ومن الأصوات الشابة في المخيم الروائي أيسر الصيفي الذي أصدر رواية (الدرس الأخير)، وحذيفة دغش الذي أصدر باكورته الروائية (يافا الجُلَنّارُ) هذا العام.