أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الجمعة، 15 يوليو 2016

ربيع خليل توما..!













(لست أفضل مَن يتحدث عن خليل توما، كما ستكتشفون بعد قليل، ولكنني هنا بسبب الأمر العسكري الذي أصدره الكاتب صالح أبو لبن)
عندما سألتُ خليل توما، ذات يوم ربيعي عام 1990م، ونحن نقف أمام مقر صَحيفة الفجر الإنجليزية، في القدس، التي  كان يدير تحريرها، متى سيعود إلى الشِّعر؟ أجاب: "انتظروني في ربيعٍ قادم".
طال غياب خليل الشعريّ، الذي أعتبره أبرز صوت شعري ظهر في الأراضي المحتلة عام 1967.

أصدر خليل، ديوانه (أُغنيات الليالي الأخيرة) وهو في السِّجْن، ليصبح أحد أبرز شعراء المقاومة الفلسطينية بعد احتلال ما تبقى مِن أراضٍ فلسطينية، ومعها أراضٍ عربية ما زالت محتلة، وستظل كذلك، بعد أن وجهت المدافع والبراميل المتفجرة نحو ناس البلاد.
ولاحقًا أصدر عدة دواوين. خليل شاعر ملتزم وطنيًا وطبقيًا، له سيرة نقابية، في قيادة نقابة عمال وموظفين الفنادق، ورئيسًا لاتحاد الكُتّاب في الأراضي المحتلة.
لا يجب أن لا تذكر الأجيال الفلسطينية اللاحقة، تلك الصفحة المشرقة في تاريخ الحركة النقابية الفلسطينية، عندما قاد خليل توما، بوعيٍ عالٍ وإخلاص، وبنجاح، إضراب عُمَّال وموظفي فندق الأميركان كولوني.
وهو نَموذَج مضاد للنماذج الفاسدة، التي أفسدت ذواتها، وحركتنا الثقافية، وتأميم الأطر الثقافية لصالح الأحزاب والفصائل، وليس للمجموع الثقافي.
وعلى الصعيد الشخصيّ، هو نَموَذج عصامي، فهذا الشاب الذي قبع في زنازين الاحتلال، خرج لِيُكمل دراسته، ولينقش سيرة ذاتية يشار لها في مجال الترجمة الفورية.
حافظ خليل على عِفته الشعرية والسلوكية، ولم يكن جزءًا، من السقوط المدوي، الذي بدا جمعيًا، في أوساط المثقفين الفلسطينيين، وفقدان الحركة الثقافية الفلسطينية لحسها الأخلاقي، الذي تعمق مع هزيمة حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة.
لم نراه يسعى لغنائم الهزيمة، وبيروقراطية تحت الاحتلال، واختار الصمت، وسط عار الانكشاف لمثقفي منظمة التحرير، والفصائل.
مِن بالدم نكتب لفلسطين، إلى غَباش المرحلة، وانعدام سياسات ثقافية، والانحناء للعواصف، توارى خليل، مثلما فعل أمثاله على مدى قرون شعبنا الطويلة، حفاظا على نَسَغ الهوية، وسط أهواء الهويات.
قدم خليل، إلى الهيئة المسؤولة عن القدس عاصمة للثقافة العربية (2009)، مجموعة أعماله الكاملة، وكما يمكن أن تخمنوا، لم تجد مكانا، وسط إصدارات سريعة واستهلاكية، وكتبت حينها، وأنا أتذكر دبيب خليل الكفاحي، والثقافي، والاجتماعي، في القدس، بأنه لا معنى للقدس عاصمة لأي شيء، بدون خليل توما وأمثاله.
في آب (أغسطس) 2015، أخبرني خليل، ونحن في مزرعته الصغيرة في بيت جالا، قرب بئر عونة، التي اقتربت منها جرافات الاحتلال، بأن أعماله المنجزة، ستصدر وتشمل إضاءات نقدية، ومقتطفات من مقالات كتبها في الصُحُف. ولاحقًا اطلعت على بروفة الكتاب، وتصفحت معه صور أغلفة مجموعاته الشعرية، وأعادت إلى الذاكرة تلك الأيام المفعمة بالكفاح والأمل.
رأيت أشعار خليل، نقشها أسرى على زنازين معتقل المسكوبية، وأراها تُخط على جدران المخيمات، مِن جيل لا يعرف مَن هو صاحبها.
جيلٌ يستيقظ في غرف التحقيق يفيق يفق
وعِصِيّ الشُّرْطَة تصنع من شعبي حِزبًا والكل رفيق
أين هذا الجيل/الأجيال يا خليل؟ أين توارت، حتى ينام أشباه المثقفين في سرير العسس.
صدور أعمال خليل، بمبادرة منه، وبتمويله الشخصي، وصمة على جبين المؤسسة الثقافية الرسمية، أظنها لن تُمحى، هذا إذا جاء وقت وتذكر أحد بانها كانت موجودة...!
أهلا بربيع خليل، حتى لوّ تأخر..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق