أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 26 مايو 2015

الخروج من زكريا..!!


 

على شرفة منزل في مدينة يبت جالا، مطل على مدينتي ببيت لحم، والقدس، يُقلب عيسى عدوي، مفكرة قديمة كتبها والده محمد عبد الفتاح عدوي، يؤرخ فيها لرحلة اللجوء القسرية من قريته زكريا في الهضاب الوسطى عام 1948، إلى بلدات ومدن في الضفة.

ولد محمد عدوي في قرية زكريا عام 1917، ودرس في مدرستها، ويعتبر ولده عيسى، وهو شاعر وباحث، كتب دراسة عن قرية زكريا، ان ما تركه والده من ارث، يجب المحافظة عليه، ليس فقط للأغراض البحثية، ولكن أيضا للأجيال المقبلة، لتعلم، ما حدث في تلك الأيام الصعبة، عندما نفذت العصابات الصهيونية حملة تطهير عرقي شملت أكثر من 500 قرية ومدينة فلسطينية.

يحسم عدوي، في يومياته، التي كتبها بخط واضح، بقلم رصاص، تاريخ اللجوء من قرية زكريا: "هاجرنا من زكريا، يوم الاثنين الواقع في 14-10-1948م، إلى ترقوميا، ومكثنا فيها عشرة أيام، ثم إلى خربة خرزة ثم إلى سعير في يوم الثلاثاء الواقع في 1 محرم سنة 1368 ه الموافق 29-10-1948م".

وفي تسجيل نادر لعدوي، سجله له ابنه عيسى، يذكر كيف ان اهالي قرى من ريفي القدس والخليل، مثل بيت محسير، وتل الصافي، لجأوا إلى قرية زكريا، بسبب عنف العصابات الصهيونية، وتقاسم الجميع الموارد الغذائية والمائية، قبل أن يصل الدور على أهالي زكريا، ليذوقوا طعم التهجير.

مصطفى عدوي (أبو أسامة) الذي يقطن مخيم الدهيشة، وهُجر صغيرا من قرية زكريا يقول: "تعرضت قريتنا لثلاثة أيام متتاليه من قصف مدفعي مورتر. كانت القذائف تسقط حول القرية ولم يصب أحد بأذى. خرج الناس من البيوت وسكنوا تحت أشجار الزيتون الضخمة في السهل جنوب القرية وبعض العائلات لم تكن قد ابتعدت عن حدود القرية بضع عشرات من الأمتار، وكان الناس يعودون إلى البيوت لإحضار مواد غذائية أو أي حاجات أخرى ضرورية، كان الناس بين مصدق ومكذب، ولكن حدث في تلك الأيام أمر جلل, تقدمت دورية صهيونية خلسة وخطفت خمسة أشخاص كانوا بعيدين نسبيا عن الناس، ثلاثة رجال وسيدة طاعنة في السن وفتى، إحدى قريباتي والفتى حفيدها وهو فايز كواملة، ويقيم الآن في مدينة البيرة، أخذ المختطفون المختطفين، إلى وادي بولس وهناك أخلوا سبيل الجدة والفتى، وذبحوا الاخرين من الوريد، هذه الجريمة عجلت في رحيل الناس إلى الضياع على أمل العودة الذي يظل يشتعل في النفوس اشبه بالنار تحت الرماد لعل ريحا عاتية وتشعله ولكن الأمل لا يتحقق بالحلم".

الباحث صلاح عبد ربه، الذي انجز بحثا غير منشور عن قرية زكريا، يقول، أن حادث قتل ثلاثة من الأهالي وقطع رؤوسهم ووضعها على حجارة، سرّع في الرحيل عن القرية، والشهداء الذين قتلوا هم: الشيخ عبد الفتاح الكواملة، وعبد الله جفال، وإبراهيم عليان.

ورغم ما حدث، ولجوء قسم كبير من سكان القرية إلى مناطق اخرى، إلا ان قسما آخر بقي فيها حتى تم تهجيره مرة اخرى، يذكر المؤرخ الاسرائيلي بني موريس: "مثلت منطقة زكريا جنوبي ممر القدس، أكثر مناطق التجمعات العربية التي ظلت قائمة فترة طويلة، وكانت الفرقة 54 التابعة للواء الأوّل قد احتلت القرية في 23 اكتوبر (تشرين الاول) 1948، وكانت آنذاك خالية من السكان بشكل شبه كامل، حيث فر أغلب السكان بشكل مؤقت إلى التلال المجاورة، وأعدم الجنود اثنين من السكان، وفي ديسمبر اكتسحت قوات الجيش الإسرائيلية مجددا القرية، وطردت ما يقرب من 40 شخصا من الرجال والنساء الذين وجدوا في الموقع إلى الضفة، غير أن السكان سرعان ما عادوا لملء القرية مرة اخرى، وخلال شهر مارس 1949، ضغط مسؤول في وزارة الداخلية لطرد السكان والبالغ عددهم 145، مشيرا إلى انه يوجد في القرية العديد من المنازل الجيدة يمكن ايواء العديد من المهاجرين الجدد فيها".

يضيف بن موريس في دراسته عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين: "خلال اجازة كان يقضيها في طبريا، التقى بن غوريون كلا من شاريت، وويتر، وغيرهما من المسؤولين، وقرر طرد السكان العرب من زكريا".

ويتضح من تقرير استخباري إسرائيلي، ان وضع من تبقوا في قرية زكريا كان صعبا: "من بين سكان القرية حاليا، والبالغ عددهم 160 شخصا، فقط ما يقرب من 20 قادرين على العمل، أما الباقون فانهم مرضى أو مصابون بالعمى أو موبوءون، حيث تنتشر القاذورات في القرية ويصعب وصف الوضع الصحي فيها".

يذكر محمد عدوي، في مذكراته، ان العائلة مكثت في قرية سعير أربعة أشهر وعشرة أيام: "ثم في يوم الثلاثاء 7-3-1949، ذهبت مع والدي إلى قرية خاراس، واكترينا بيتا واقع في جنوب القرية".

ويتوقف عدوي عند محطات أخرى من اللجوء، الذي انتهى به في مدينة بيت جالا التي توفاه الله فيها يوم 29/5/2003، ليرحل دون ان تكتحل عيناه بقريته مرة أخرى.


 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق