أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 3 أغسطس، 2008

عائدة إلى عكا




"لو عكا تخاف البحر لما سكنت بجانبه"، هذا مثل شعبي فلسطيني قديم، يستخدمه الفلسطينيون، للإشارة إلى ما يعتبرونه شدة باسهم في مواجهة الاحتلالات التي تعرضت لها بلادهم، وربما يعود مصدره إلى صمود عكا واستعصائها أمام احدى العبقريات العسكرية التاريخية وهو نابليون، الذي انهزم أمام أسوارها، في مغامرته المشرقية.


ولكن عكا، التي استعصت على نابليون، سقطت في عام 1948 في قبضة العصابات الصهيونية، وأصبحت ضمن دولة إسرائيل، ولجا أغلبية أهلها إلى خارج فلسطين.


بعض أبناء الجيل الثاني من اللاجئين قرروا العودة إلى عكا، لتنفيذ عمليات فدائية، في ذروة صعود حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، بعضهم وصل إلى عكا ليقع في قبضة سادة المدينة الجدد، والبعض لم يصل، وابتلعته مياه البحر المتوسط.


وبقيت عكا دائما، مثل باقي المدن والبلدات الفلسطينية التي أصبحت جزء من إسرائيل، وجعا حاضرا في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، رغم ما جرى من تبدل على حلم العودة الذي يحمله الان ملايين الفلسطينيين في الشتات، ومعظمهم، ولد في البلاد التي لجا إليها أجدادهم.


وفي ظروف مختلفة، وبعد سنوات من النكبة، اصبح بإمكان من سكنه حلم العودة، وحصل على جواز سفر أجنبي، أن يعود لزيارة المنزل الذي سمع حكايته من الأهل، ولرؤية "الفردوس المفقود" كما كانت فلسطين المحتلة حديثا، تقدم في الأدبيات العربية والفلسطينية البكائية التي انتشرت اثر النكبة.


وفي حالات منفردة قليلة جدا، خطط البعض أن تكون فلسطين مكان قبره، بعد أن استحالت لتكون مكان عيشه، ونحن نعلم عن حالة واحدة على الأقل، هي حالة البروفيسور الفلسطيني المرموق إبراهيم أبو لغد، الذي خطط ليدفن في يافا، وهو ما تحقق له، في ظروف من التعقيد، والممانعة من قبل جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك).


ولكن معظم الحالمين بالعودة الفردية، لا يمتلكون إصرار أبو لغد أو حتى رغبته، ويفضلون العيش والموت في بلاد يعملون بها وأصبحت موطنا لهم، وتوفر بعض الآمان الاقتصادي والاجتماعي في انتظار تحقيق حلم العودة الجماعية، الذي اقر وفق قرار شهير للأمم المتحدة، ولكنه لم يطبق منذ 60 عاما.


الأديبة الفلسطينية حنان بكّير، التي تعيش في المنفى النرويجي الان، بعد أن نشأت في لبنان، بعيدا عن مدينتها عكا، ما زالت تعيش تلك المدينة الفاتنة في أعماقها ونسمات جلدها، وروايتها الأولى كانت عن عكا وحملت عنوان "أجفان عكا" صدرت طبعتها الأولى في بيروت، والثانية في عكا نفسها عن مؤسسة الأسوار التي يديرها الكاتب يعقوب حجازي، أحد العرب الذين لم تستطع أية أمواج بحرية عاتية أن تقتلعهم من مدينتهم فبقوا فيها، يعيشون كأقلية الان بعد أن أصبحت المدينة تصنف بأنها "مختلطة" أي يعيش فيها عرب ويهود.


رواية حنان بكّير، سبقتها إلى عكا، مع استمرار حلمها بان تتمكن من زيارتها وزيارة فلسطين، وأملت في إحدى المرات، أن تصل إلى فلسطين، بدعوة من مؤسسة ثقافية فلسطينية عقدت مؤتمرا في رام الله، ومثلما يحدث مع أعمال مثل هذه المؤسسات فإنها دعت كل من ليس له علاقة بالأدب، وأمنت لهم الإقامة ومصروف الجيب، وتم استثناء بكّير، رغم إبداءها لرغبة شديدة في أن تكون تلك المناسبة التي أطلق عليها ثقافية، مناسبة شخصية لها لتصل إلى فلسطين.


واستمرت بكّير، في النرويج تعمل على كتابة روايتين، وأيضا تعمل لكسب عيشها من تعليم من يحب من النرويجيين تعلم اللغة العربية.


وأبدى تلامذة بكّير النجباء والمولعين باللغة العربية، وبحب فلسطين، رغبتهم في تقديم هدية لمعلمتهم، وكانت الهدية اكبر بكثير من توقعات المعلمة، ولم تكن سوى اصطحابها في رحلة إلى عكا وفلسطين.


نزلت بكّير وثلاثة من تلامذتها (يعقوب، ولورنس، وجوزفين) في القدس، لتكون منطلقا لهم إلى الأماكن التي سيزورونها وعلى رأسها عكا.


ذهبت بكّير، مع صحبتها إلى عكا، لترى منزل العائلة الذي بقي قائما بعد النكبة، ولكن تغير ساكنوه، وعندما اقتربت من الشارع الذي يقع فيه المنزل، طلبت من رفقتها، ومن بينهم دليلة لها في عكا، النزول لتختبر إذا كانت تستطيع تحديد موقع المنزل الذي عاش في خيالها.


نزلت بكّير وسارت في الشارع، وفجأة توقفت عندما تسارعت دقات قلبها فجأة، وقالت: هنا منزلنا، وكان كلامها صحيحا.


المنزل المغتصب تسكنه الان امرأة يهودية، تعيش فيه وحيدة، بعد أن فقدت أفراد عائلتها واحدا اثر الآخر، نتيجة الموت الطبيعي.


فكرة طرأت على ذهن بكّير فجأة وسألت اليهودية ساكنة البيت: أنا أيضا وحيدة، هل يمكن أن أعيش معك في نفس البيت.


ومثلما بدا السؤال عفويا، ومتسرعا، جاء الجواب من ساكنة المنزل كذلك: نعم تعالي لنعش سويا.


من الصعب على بكّير، العيش في هذا المنزل بهذه الطريقة التي طرحت عفوا، والتي تؤشر إلى مدى درامية حكاية كل فرد فلسطيني.


وهناك أسباب كثيرة لهذه الصعوبة، يمكن أن تتحدث عنها بكّير في مقالات عن رحلتها إلى فلسطين، أو تكون موضوعا لرواية جديدة لها، كما اقترح كاتب هذه السطور عليها، ولكن وسط الحروب والكوارث والماسي، تبرز مقاربات معينة وتبدو مدهشة لتحقيق حق العودة، الذي لم يتمكن المجتمع الدولي من إحقاقه، رغم الواجب الأخلاقي الذي قيد نفسه به من خلال عشرات القرارات الدولية المساندة للفلسطينيين.


واحتاجت هذه المقاربات دائما إلى شجاعة، ويمكن مثلا إدراج رواية (عائد إلى حيفا) للشهيد غسان كنفاني في مثل هذه الخانة، فكنفاني الذي كان قياديا في تنظيم قومي-ماركسي، كتب روايته عن فلسطيني عاد وزوجته إلى حيفا بعد حرب عام 1967، واحتلال كل فلسطين، ليبحث عن ابنه الرضيع الذي نسيه في أثناء اللجوء عام 1948.


ويجد العائد، الحافظ لكل طرقات حيفا، وكأنه تركها بالأمس، امرأة يهودية تعيش في المنزل، ترحب به وبزوجته بعد أن تعلم هويتهما، وتكشف لهما بان ابنهما الذي تركاه تربى يهوديا في كنفها، واصبح جنديا في الجيش الإسرائيلي.


وبشكل غير متوقع، واثار موجات من النقد لكنفاني لدى صدور روايته، يعطي هذا فرصة للمرأة اليهودية المغتصبة للمنزل وللابن، لتتحدث عن معاناتها من جراء النازيين، قبل الهجرة الى فلسطين.


ويخلص كنفاني، عبر بطل روايته إلى أن الإنسان قضية، بل هو القضية، ويتخيل كيف انه ابنه الذي لم يعد ابنه في الواقع، سيحارب في الجيش الإسرائيلي، ابنه الآخر الذي انضم إلى المقاومة.


مقاربة كنفاني لقضية العودة كانت في حينها على الأقل، في تناقض تام مع الخطاب القومي، والخطاب الوطني، والقومي-الماركسي، الذي كان سائدا لدى حركة المقاومة الفلسطينية، والجمهور العربي بشكل عام، ولكنه نجا من الاتهامات بالتخوين، أو التنازل عن المسلمات والحقوق، بسبب موقعه القيادي في تنظيم كان الأكثر راديكالية على الساحة الفلسطينية، من حيث الموقف من إسرائيل، وحتى من العرب الذين بقوا فيها وحملوا جنسيتها مرغمين، والان فانه ينجو بسبب موهبته الفذة، التي جعلته بحق مكسيم غوركي الفلسطيني.


وبعيدا عن الرؤية الفنية والروائية، فان مقاربة أخرى شديدة الواقعية، طرحها بشير الخيري، وهو ناشط ومناضل فلسطيني، يتبوا موقعا قياديا في نفس تنظيم غسان كنفاني.


يعيش الخيري في مدينة رام الله، التي لجأت إليها عائلته من مدينة الرملة، وفي سنوات الاحتلال الأولى، يقرر الشاب الخيري، زيارة الرملة، مع بعض أقاربه ليروا المنزل الضائع في المدينة التي شرد أهلها مع أهل مدينة اللد، في عملية كبيرة تكشف الوثائق عن التآمر العربي في تنفيذها بالتعاون مع العصابات الصهيونية.


يتمكن بشير الخيري من الوصول إلى المنزل، ويتعرف على ساكنيه، ومن بينهم واحدة يتبين فيما بعد كيف أن نزعات ضميرية تهاجمها بسبب معرفتها لحقيقة أنها تعيش في منزل مغتصب.


ويدور حديث بين الخيري والشابة اليهودية، وتتكرر الزيارات والحوارات، ويتم طرح الكثير من الحلول، حول مصير المنزل، ولكن أي منها لا يتعلق بإعادته إلى أصحابه الشرعيين لتعذر ذلك من نواح كثيرة.


 وسرعان ما تتوقف الحوارات، بين ابن مالك المنزل الأصلي، وابنة ساكن المنزل الجديد، لان سلطات الاحتلال تلقي القبض على بشير الخيري، بسبب عمله المقاوم، ويصدر بحقه سنوات حكم طويلة، ويستمر الحوار بين الاثنين هذه المرة عن طريق الرسائل، والموضوع الرئيس الذي يجمعهما هو المنزل.


وعندما يخرج الخيري، في منتصف ثمانينات القرن الماضي، في صفقة التبادل الشهيرة التي أبرمها احمد جبريل، تعود الحوارات حول مصير المنزل، وتنته مع اندلاع الانتفاضة الأولى التي اطلق عليها انتفاضة الحجارة، وإقدام سلطات الاحتلال على إبعاد الخيري إلى خارج الأراضي الفلسطينية، حيث يجد متسعا من الوقت لكتابة تجربته، التي نشرت بعناية خاصة من الناقد الفلسطيني فيصل دراج.


ولكن الخيري لم يملك موهبة غسان كنفاني في الكتابة، ولم يقدم نفسه في يوم من الأيام كأديب، فلم يحظى كتابه باهتمام في الأوساط الأدبية، رغم انه صاحب حكاية شديدة الدرامية، وكان كتابه اقرب إلى التسجيلية منه إلى العمل الأدبي.


ولم تنته قصة الخيري مع الإبعاد، فهو عاد إلى ارض الوطن، واعتقل خلال انتفاضة الأقصى الاخيرة، وترشح على قائمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الأخيرة، دون أن يحالفه الحظ، ففلسطين كانت قد تغيرت، وأصبحت اكثر يأسا وتشاؤما.


ومع ذلك بقيت مسالة المنزل المغتصب بدون حل، سواء كان منزل حيفا الطالع من ظروف نكسة عام 67 بعد نكبة 48، أو منزل الرملة الواقعي بعد ان وحد الاحتلال الارض الفلسطينية التي كانت مقسمة قبل ان تتقسم من جديد، وأخيرا منزل حنان بكّير في عكا، التي كانت يوما ما لا تخاف البحر.



هناك تعليقان (2):

  1. i just want to correct one item that was stated here about Bashir al khairy that he refused to be included in prisonners issue raised by Ahmad Jibreel he stayed in the prison for the whole 16 year and he went out of prison after he finished the whole period.

    ردحذف
  2. شكرا للتوضيح، واعتقد ان كتاب بشير الخيري يحتاج الى اهتمام اكبر وكذلك موضوعة البيت الذي كان، بالنسبة للفلسطيني

    ردحذف